ابن كثير
467
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
تخسير ( 63 ) يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم " قد كنت فينا مرجوا قبل هذا " أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت " أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا " وما كان عليه أسلافنا " وإننا لفي شك مما تدعوك إليه مريب " أي شك كثير " قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي " فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان " وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته " وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني " غير تخسير " أي خسارة . ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ( 64 ) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ( 65 ) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز ( 66 ) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ( 67 ) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ( 68 ) تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته هاهنا وبالله التوفيق . ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ( 69 ) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ( 70 ) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ( 71 ) قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ( 73 ) يقول تعالى " ولقد جاءت رسلنا " وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى قيل تبشره بإسحاق وقيل بهلاك قوم لوط ويشهد للأول قوله تعالى " ولما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط " " قالوا سلاما قال سلام " أي عليكم قال علماء البيان : هذا أحسن مما حيوه به لان الرفع يدل على الثبوت والدوام " فما لبث أن جاء بعجل حنيذ " أي ذهب سريعا فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر حنيذ : مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة . هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد كما قال في الآية الأخرى " فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون " وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة وقوله " فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم " تنكرهم " وأوجس منهم خيفة " وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم " وأوجس منهم خيفة " قال السدي : لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فلما رآهم أجلهم " فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين " فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول - وامرأته قائمة وهو جالس - في قراءة ابن مسعود " فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون " قالوا يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه ؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم " يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم